أمهات المفقودين يكسرن الصمت
مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب على الفيس بوك
أمهات المفقودين يكسرن الصمت


أمهات المفقودين يكسرن الصمت

سنوات مرت على اعتصام أهالي المعتقلين في السجون السورية المفتوح أمام مقر الإسكوا في بيروت. منذ تاريخ 11 نيسان من عام 2005، يقبع الأهالي في الصيف والشتاء وفي الليل والنهار، في خيمة صغيرة بانتظار أن يرأف بهم المسؤولون ويضعون نهاية لمأساتهم. لكن المفارقة أن اعتصامهم لم يغيّر كثيراً في تجاهل الجانب الرسمي للقضية في لبنان وسوريا، بالرغم من الوعود و الإجراءات الشكلية التي اتخذت بعد الإنسحاب السوري من لبنان. ويبقى الملف على ما هو من عليه من المراوحة والتنصّل بدءاً من أول لبناني خطف في عام 1975 وحتى الآن.
استناداً إلى الإتفاقية الموقّعة بين لبنان وسوريا في عام 1951، لا يحق لسوريا احتجاز أي لبناني على أراضيها ومحاكمته مهما كانت التهمة الموجّهة إليه. أما إذا أخذنا في الإعتبار الإعلان العالمي لحماية الأشخاص من الإخفاء القسري الذي تبنّته الجمعية العمومية للأمم المتحدة في تاريخ 18/1/1992، فإنه يعتبر "كل عمل من أعمال الإختفاء القسري جريمة ضد الكرامة الإنسانية، ويدان بوصفه إنكاراً لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة وانتهاكاً لحقوق الانسان والحريات الأساسية التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الانسان. كما لا يجوز لأي دولة أن تمارس أعمال الإختفاء القسري أو أن تسمح بها أو تتغاضى عنها كما جاء في المادة الثانية منه. وأنه بالإضافة إلى العقوبات الجنائية الواجبة التطبيق، يجب أن تترتب على أعمال الإختفاء القسري المسؤولية المدنية لمرتكبيها والمسؤولية المدنية للدولة أو لسلطاتها التي نظمت عمليات الاختفاء او وافقت عليها او تغاضت عنها، وذلك مع عدم الاخلال بالمسؤولية الدولية للدولة المعنية وفقا لمبادىء القانون الدولي كما جاء في المادة الخامسة منه. وانه لا يجوز اتخاذ اي ظروف مهما كانت سواء تعلق الامر بالتهديد باندلاع حرب او قيام حالة حرب او عدم الاستقرار السياسي الداخلي او اي حالة استثنائية اخرى ذريعة لتبرير اعمال الاختفاء القسري كما جاء في المادة السابعة منه. وانه يعتبر كل عمل من اعمال الاختفاء القسري جريمة مستمرة باستمرار مرتكبيها في التكتم على مصير ضحية الاختفاء ومكان اخفائه ما دامت هذه الوقائع قد ظلت بغير توضيح كما جاء في المادة السابعة عشرة منه".
وبحسب اللوائح الرسمية، فإن ظروف اعتقال اللبنانيين في السجون السورية تدور حول دوافع عدة لدى عناصر الجيش السوري ومخابراته التي سيطرت على بعض المناطق اللبنانية لسنوات عدة أو لدى بعض حلفائها من التنظيمات اللبنانية الذين كانوا يسلمونهم لاحقاً إلى سوريا. وكان الإعتقالات تتخّذ شكلاً جماعياً إبان الصراعات التي خاضها الجيش السوري على الأراضي اللبنانية مع الفلسطينيين في المخيمات ومع الجيش اللبناني في تشرين الأول من عام 1990 أو إبان الإجتياح الإسرائيلي الكبير

للبنان في عام 1982. لكن حجز اللبنانيين في السجون السورية بدأ قبل مجيء القوات السورية إلى لبنان في عام 1976. فقد سجّل اختطاف الياس يوسف البيطار في تاريخ 25 تشرين الأول 1975، من منطقة القنطاري. وبحسب ذويه، فإنه موجود في سجن المزة فرع فلسطين. والمفارقة أن حملة الخطف والإحتجاز لم تنته بانتهاء زمن الحرب الأهلية واللا دولة في لبنان، بل سجّلت عمليات خطف جديدة سنوياً حتى عام 2000، كخطف اللبناني جورج يوسف خوري في شهر تموز من ذلك العام. وقبله بعام واحد اختطف ثلاثة عسكريين في الجيش اللبناني هم: علي عيسى ومحمد الشوفي وعزت ياسين. وفي عام 1997 تمّ خطف رشيد حسين وعبد الله شهادي ونجيب جرماني المحكوم بالإعدام وزارته شقيقته ثلاث مرات في سجن المزّة قبل منعها من ذلك وانقطاع أخباره.
وإذا ألقينا نظرة على الخط البياني للقضية منذ عام 1975 وحتى اليوم، فإننا نلحظ واقع الحال لم يتغير كثيراً حتى بعد خروج الجيش السوري من لبنان في عام 2005.
التزمت السلطات السورية بإنكار وجود لبنانيين في سجونها بالرغم من زيارة بعض الأهالي لأبنائهم المعتقلين، إلى أن كسر جدار صمت الجانبين، الرئيس اللبناني السابق إلياس الهراوي الذي أقّر في عام 1996 بوجود 210 لبنانيين تعتقلهم السلطات السورية. وبعد عامين أعلن الرئيس السوري بشار الأسد أنه سيطلق سراح 130 لبنانياً ويحتفظ بـ 25 آخرين لأنهم تعاملوا مع اسرائيل. الرقم المذكور يختلف عن الرقم الذي أعلنه سابقاً الهراوي، علماً بأنه يختلف أيضاً عن عدد اللبنانيين الذين أفرج عنهم لاحقـاً (121 لبنانياً)، فيصبح عدد اللبنانيين الذين لا يزالون محتجزين لديها 34. لكن الدفعة الجديدة التي أفرج عنها في شهر كانون أول من عام 2000، ضمّت 56 لبنانياً. علماً بأن الدولة اللبنانية كانت قبل ستة أشهر قد أوصت بتوفية جميع المفقودين اللبنانيين في اسرائيل وسوريا ولبنان، من بينهم المفرج عنهم، عبر لجنة تقصّي مصير المخطوفين والمفقودين خلال الحرب الأهلية التي أنشأتها الحكومة في شهر كانون الثاني من العام ذاته.
وكانت السلطات السورية قد أفرجت سراً مرات عدة عن بعض اللبنانيين، منهم محمد الموسوي وخليل أحمد وعلي مظلوم ووليد إسطفان وجميل هواري في عام 2000. وفي عام 2003 قامت بتسليم جثة أمين حويس إلى ذويه في زحلة ومنعوهم من الإعلان عن ذلك، كما سلّمت جثث خالد عزالدين وعادل عاجوري وجوزيف زغيب ورضوان إبراهيم.

شهادات
لطالما تعرّض أهالي المعتقلين للمضايقات والقمع إبّان وجود القوات السورية في لبنان، ومنعوا من تنظيم الإعتصامات الإحتجاجية بل كانوا يتعرضون للإعتقال أيضاً. الترهيب والتضييق الذي مورس ضدهم، منع الكثير من الأهالي من الإعلان عن احتجاز أبنائهم في سوريا وعن المشاركة في تحركات اللجان الحقوقية الداعمة لهم. وما يؤكد ذلك هو زيادة عدد المعتقلين المعلن عنهم. فقد استقطب الإعتصام المفتوح أمام الإسكوا في شهر نيسان من عام 2005، الكثير من الأهالي الجدد الذين تجرأوا على البوح عن معاناة أبنائهم، ما رفع عدد المعتقلين المصرّح عنهم إلى أكثر من 750 معتقلاً. كما شكلت الخيمة فرصة للقاء بين الأهالي وبين بعض المعتقلين اللبنانيين المفرج عنهم من السجون السورية الذين أفادوا بمعلومات عن لقائهم بعدد من المعتقلين، بعد أن تعرفوا عليهم من صورهم المعلقة على الجدار.
لكن الإعتصام لم يخل من بعض مظاهر الماضي، فقد اصطدم الأهالي مع قوى الأمن في 27 نيسان 2005 في ساحة رياض الصلح واعتصموا امام المجلس النيابي أثناء سير الجلسة وانتهى التحرك بمواجهة مع الجيش اللبناني ما أدى الى وقوع إصابات بين المعتصمين.
إنما يبقى الإعتصام مرهونة نتائجه بتبدل الظروف السياسية، فهو لم يثمر عن أي خطوة فعلية من البلدين باتجاه الحل؛ رغم تشكيل اللجنة الثنائية في حزيران من عام 2005بعد الضغط المحلي وبعد المعلومات التي أطلقها المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سورية قبل شهر من ذلك، ترتكز إلى وثائق اربع تؤكد أن مفقودين لبنانيين كانوا موجودين في السجون السورية. لكن بعد مرور سنتين وثلاثة أشهر على الاعتصام، تستمر معاناة الأمهات في ظل ظروف بالغة التعقيد سياسياً وأمنياً.
يوميات الخيمة
تبدّلت الحركة في خيمة الإعتصام مقارنة مع بدايته. فالأهالي والزوار المتضامنون والسياسيون كانوا لا يتركون الخيمة ليل نهار. أما الآن وبعد مضي سنتين قلّ الزوار وندر السياسيون وملّ بعض الأهالي بعد أن يئسوا من تجاوب الدولة معهم. لكن الخيمة لا تزال منتصبة وصور المعتقلين تزنّرها. تتناوب على الدوام فيها بعض الأمهات والأخوات اللواتي لم يتعبن بعد بالرغم من أنهن يأتين من مسافات بعيدة ويتركن بيوتهن وأبناءهن ويهملن حياتهن الخاصة حتى عودة الغيّاب.
لكن الخيمة التي أبقت القضية حية لم تثمر بصيص أمل في معرفة مصير المعتقلين، أثمرت علاقات متينة بين أهاليهم الذين أصبحوا أهلاً لبعضهم البعض على اختلاف أحوالهم ومناطقهم بعد أن وحّدتهم المأساة الإنسانية الواحدة.


يومياً يتكرر المشهد ذاته. تبدأ الأمهات بالتوافد تدريجاً إلى الخيمة، كل بحسب قرب سكنها. يأتين يومياً من بيروت وضواحيها وجبل لبنان وكسروان وجبيل والمتن وصيدا وطرابلس. تحمل كل منهن زوادة اليوم لجميع الحاضرين. تحملن الطعام والماء و الحاجيات اليومية الأساسية. ثم يمضين نهارهن باستقبال بعض الصحافيين اللبنانيين والأجانب والجمعيات الإنسانية واجتماع أسبوعي لمناقشة التطورات الجديدة مع رئيس اللجنة السيد غازي عاد واستقبال الفريق الطبي لمركز الخيلم نهار كل خميس، وفي قراءة الجرائد والأخبار سعياً منهن لسماع خبر أو تصريح لهذا المسؤول أو ذاك يساهم في حل القضية. والأهم أنهن يجدن في بعضهن الملاذ المناسب ليشكين همهن ووجعهن الذي يتشابه لديهن جميعاً. وفي المساء ينصرفن إلى بيوتهن لتدبير شؤونها من التنظيف والطبخ، فيما تبقى اثنتين منهن للنوم ليلاً حتى في أكثر الليالي برداً. ولأن الإعتصام أمام مقر الإسكوا الذي تحيط به إجراءات أمنية مشددة تمنع السيارات من الإقتراب لمئات الأمتار، يضطر الأهالي إلى قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام للوصول إلى الخيمة وأخرى للوصول إلى محطة الوقود لاستعمال المرحاض. لكن الأكثر ألماً كان أن بلغ بعض الأهالي نبأ العثور على جثث أبنائهم من عناصر الجيش اللبناني، مدفونة في المقبرة الجماعية في وزارة الدفاع في اليرزة، أي على بعد كيلومترات منهم وهم ينتظرون عودتهم سالمين من السجون السورية ولو طال الزمن ويواظبون على المطالبة بإجلاء مصيرهم في سوريا، وإذ بهم هناك بالقرب منهم رفاتاً من دون أن يبادر المعنيين إلى الكشف عن مدفنهم رغم مرور أكثر من سبعة عشر عاماً على الواقعة. الرقيب أول الشهيد يوسف مخايل الحاصباني (مواليد 25 آذار 1959)، كان حتى أشهر خلت، من بين المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية إلى أن أعلنت قيادة الجيش عن العثور على رفاته في مقبرة وزارة الدفاع، علماً بأن برقية صادرة عن قيادة الجيش أفادت في حينه أن يوسف لم يكن في عداد المتوفين في 13/10/1990. إضافة إلى شهادة رئيس السجن المسؤول عن فرع أمن فلسطين في العام 1994 لشقيقه بيار أن يوسف موجود في سجن فلسطين.
الإعلان عن وجود بعض عناصر الجيش اللبناني المفقودين في ذلك اليوم، في مقبرة وزارة الدفاع، قلب حياة الأهالي رأساً على عقب وأدخل الشك في قلوبهم تجاه أي معلومة وصلتهم من مسؤولين في لبنان وسوريا حول وجود أبنائهم في السجون السورية، ما دام البيان الرسمي الصادر عن قيادة الجيش حينها تعرّض للطعن، ما فتح الباب مجدداً على آفاق واسعة من الشك واليأس وخوف البعض من جلاء الحقيقة خشية أن تكون أشد مرارة من الواقع الذي يعانونه الآن.



1. والدة المعتقل بشارة رومية، مارندا كرم:
اعتقل بشارة (مواليد 1962) على يد المخابرات السورية في رياق في آذار من عام 1978. و لم يكن أول معاناة مارندا (مواليد 1939) التي بدأت بوفاة زوجها وزادت بعد وفاة ابنها بذبحة قلبية، حزناً على أخيه بشارة وانشغال أبنائها الآخرين بحياتهم الخاصة. بعد اعتقاله بوقت، تمكنت من زيارته في مركز توقيفه في عنجر مرات عدة وكان متورّماً من الضرب والتعذيب، إلى أن اختفت آثاره وقيل لها إنهم نقلوه إلى سوريا. ثم علمت أنه تنقّل بين الأعوام 1986 و1993 و1998 في سجون المزة وعدرا وتدمر حيث حمل الرقم 12 في سجن المزة لغاية العام 1998، ومن ثم الرقم 14 الغرفة رقم 1. بعض المفرج عنهم من السجون السورية تعرّفوا إليه وأبلغوا ذويه بالأمر، بينهم سامي خوري وسامي أبو ديا (المعروف بسامي حمزة) وتوفيق يمّين وحسين محمد العبد الله.
ومنذ 29 عاماً لا تزال مارندا تصارع من أجل معرفة مصير ابنها. حاولت الإستفسار عنه في مراكز السجون لكنها لم تلق جواباً؛ حتى إنها باعت حليّها وكل ما تملكه لتدفع لبعض الأشخاص ثمنة معلومة عن بشارة، ثم اتضح أنهم يبتزونها ويستغلون حالها. لكنها لم تيأس بل استمرت في المطالبة بمعرفة مصيره بالرغم من كل المضايقات التي تعرّضت لها والتهديدات التي تلّقتها أثناء هيمنة المخابرات السورية في لبنان، وبشكل مكثّف في البقاع، ما دفعها إلى الإنتقال بين الحين والآخر إلى بيروت للمشاركة في تحركات أهالي المعتقلين في السجون السورية. لكن "المشوار إلى بيروت" كما تقول، كان يكلّفها الكثير فيما كانت تعيل نفسها من زراعة بعض المحاصيل. إلى أن بدأ الإعتصام المفتوح في نيسان من عام 2005، فالتزمت مارندا به حتى صار سكنها الدائم. في الخيمة تمضي نهارها وفيها تنام ليلتها خصوصاً وأن ابنها الوحيد المقيم في بيروت، إيلي، بيته صغير وحاله المادي متواضع ولا يقوى على الإنفاق عليها. لكن أم بشارة لا تزال ترفض رفضاً قاطعاً التغيّب عن الخيمة ليوم واحد رغم مرور سنتين على الإعتصام من دون نتيجة حتى معرفة مصير ابنها، رغم مرضها الذي يزيد يوماً بعد يوم، إذ تعاني من آلام حادة في الرقبة والظهر والمفاصل ومن ضعف ووهن في عينيها وتحتاج للراحة والحماية. ولأنها لا تملك سكناً في بيروت، دعتها إحدى الأمهات المعتصمات معها للسكن في شقتها مؤقتاً. أما كيف تنفق، فتقول مارندا "الله يدبر، وأي شيء يهون لأجل بشارة".




2. والدة المعتقل متري سعادة، لميا سعادة:
بعد سنة واحدة من اختفاء متري في أحداث 13 تشرين الأول من عام 1990 في منطقة ضهر الوحش، تسلّمت لميا سعادة (مواليد 1947) جثة قال الجيش اللبناني إنها لابنها متري، لكنها تؤكد أنها ليست له ولأن لا قدرة لديها لإثبات ما تقوله عبر فحص الحمض النووي، لم تفقد الأمل في أنه قد يكون من بين المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، لذا لم تنقطع منذ سنوات طويلة عن المطالبة بمعرفة مصير ابنها والمشاركة في تحركات ذوي المفقودين في سوريا.
وتقيم لميا في كفرشيما التي تبعد عشرات الكيلومترات عن وسط بيروت، مع زوجها المريض الذي يعاني من مرض السكري وابنها الذي يعيل والديه في ظروف مادية متواضعة. وبالرغم من ذلك، لا تفوّت لميا أي تحرّك لأهالي المعتقلين خصوصاً الإعتصام المفتوح أمام الإسكوا والذي واظبت على المداومة في الخيمة خلال السنة الأولى له، لكنها اضطرت لاحقاً إلى تقليص حضورها فيه بعدما أهملت قليلاً العناية بزوجها وبيتها وتدهورت حالتها الصحية فهي تعاني من مرض السكري منذ اختفاء ابنها متري. إضافة إلى النفقات التي تتكبدها يومياً للإنتقال إلى مكان الإعتصام ومدة الساعة التي تحتاجها للوصول. تقول لميا إن كل ما تتمناه في حياتها هو أن يطمئن قلبها على مصير ابنها وأن يساعدها أحد لتقوم بفحص الحمض النووي لتعرف "أن الرفات التي ترقد في مدافن العائلة منذ 16 عاماً هي لمتري أو غريبة" كما ينبؤها قلبها.
3. والدة المعتقل سيزار عيد، جانيت عيد:
اكتملت مأساة جانيت (مواليد عام 1929) باختطاف ابنها سـيزار (مهندس كهرباء مواليد 1964) من الشياح في عام 1984 بينما كان متوجهاً لإتمام أوراق السفر للعمل في ألمانيا وتحمل مسؤولية الأسرة. اختفى ابنها بعد سنوات على وفاة زوجها وانصرافها إلى إعالة أولادها الأربعة ومنهم جمانة وليلى وسيزار، فكانت تخدم في مدارس صيدا لتنفق عليهم. وبعد اختطافه صار همّها ثلاثة هموم: متابعة إعالة ابنتيها والتحرك في كل الإتجاهات لمعرفة مكان ابنها وعلاج الأمراض التي توالت على جسدها (السكري والضغط والكوليستورول وآلام في قدميها). سألت عنه في مراكز الأحزاب والميليشيات من دون نتيجة إلى أن علمت أنه نقل إلى سوريا.



الآن ابنتاها تزوجتا وانصرفتا كل إلى حياتها وعائلتها، أما جانيت فبقيت وحيدة تنتظر عودة ابنها سالماً. لكنها انزوت منذ سنوات وأوقفت علاقاتها الإجتماعية وقاطعت الأفراح والمآتم وتفرّغت إلى ممارسة الطقوس والشعائر الدينية لتستمد قوتها وصبرها منها، واقتصر نشاطها على المشاركة في تحركات أهالي المعتقلين والمداومة في الخيمة. تقول إنها ملّت من حياتها كما ملّت من الحزن، لكنها لا تريد أن تموت قبل أن تطمئن على مصير سيزار.
4. والدة المعتقل عماد ياسين، حياة ياسين:
حياة لا تعرف عماد (مواليد 1959) ولم تره مرة في حياتها، لأنه اختطف قبل زواجها بأبيه اسماعيل بعد وفاة أمه. لكنها حملت قضيته كما لو كانت أمه وجالت بها على كل المعنيين وواظبت على المشاركة في تحركات الأهالي والمداومة في خيمة الإعتصام. واختطف عماد بتاريخ 27/11/1985 في طريق عودته من الأردن إلى لبنان عن طريق سوريا وتمكّن والداه من زيارته في سجن تدمر وشاهداه من وراء القضبان الحديدية. وقبل أن تسلم أمه الروح أوصت والده بمتابعة قضيته، لكنه سريعاً ما مرض هو الآخر وعجز عن الحراك، فتولت حياة تحريك قضية عماد والعمل لإعالة زوجها وأولادها الآخرين. وتغالب حياة وقتها المقسّم بين إدارة محلها الصغير الذي يعتاشون منه والعناية بزوجها المريض والمداومة في الخيمة.
تتمنى حياة أن يفرج عن عماد قبل وفاة والده الذي يحلم بنظرة منه ثم يموت، وأن يتعرف أولادها على أخيهم الأكبر ويعوضوه عن كل ما عاناه طوال 22 عاماً في السجون السورية.
5. والدة المعتقلين ريشار وكريستين سالم، أوديت سالم:
لم تنته الحياة لدى أوديت (مواليد عام 1932) بوفاة زوجها في عام 1982، لأن وجود ولديها ريشار (مواليد 1964) وكريستين (مواليد 1963). فجاهدت كثيراً لتعمل وتنفق عليهما ويكملا تعليمهما إلى أن عملا في شركة في الحمراء. وفي عام 1985 تم اختطافهما على طريق العودة إلى ساقية الجنزير حيث يقيمان مع أمهما. ابناها اختفيا ولم يعد لها أحد في الدنيا. أهلها يسكنون في حلب ولم يبق من أقربائها أحد في لبنان. وحدة أوديت في منزلها زاد من سوء حالتها النفسية وزاد من حزنها وتوترها وأمراضها. هي لا تحب الحياة لأنها قست جداً عليها لكنها تخاف أن تتركها قبل أن ترى ابنيها. لذا فهي لا تفارق الخيمة لحظة واحدة وتتحين معرفة أي معلومة عنهما. وهي التي كانت تظن أنهما من بين المفقودين في


لبنان، أخبرها أحد المفرج عنهم من السجون السورية أنه شاهدهما في السجون السورية بعد أن تعرف إلى صورتهما المعلقة في الخيمة.
6. والدة المعتقل أحمد الشرقاوي، آمنة الحصري:
آمنة (مواليد عام 1933) تعرف من خطف ابنها أحمد (مواليد 1964) أمام عينيها من بيتها في الرملة البيضاء في عام 1986 ومكان اعتقاله في سوريا لكنها تسامحهم ولا تريد سوى الإطمئنان عليه. لكن كل المعلومات لم تفدها لتراه لدقيقة واحدة بعد الوساطات الكثيرة التي حرّكتها لدعمها من مخيم اليرموك حيث انتقلت للعيش بعد اعتقاله مع ابنتها الوحيدة بعد معرفتها بنقل ابنها إلى داخل السجون السورية. لكنها بعد أن سمعت بالإعتصام المفتوح الذي بدأه الأهالي أمام الإسكوا قبل عامين، قررت العودة للإقامة في لبنان خصيصاً للمشاركة فيه بالرغم من أن ابنتها وأهلها جميعهم لا يقيمون هنا. وكانت تمضي كل وقتها في الخيمة عوضاً عن الرواح والمجيء يومياً إلى مخيم شاتيلا حيث تسكن في غرفة صغيرة، لتوفر أجرة الطريق بسبب تردّي حالها المعيشي وسوء حالتها الصحية، لكن تدهور صحتها يوماً بعد يوم بات يمنعها من المواظبة على الحضور في الخيمة. فهي تعاني من قصور في القلب وقرحة في المعدة وانحناءة حادة في ظهرها وألم في ركبتيها ومفاصلها سبّب لها شللاً مرات عدة. آمنة تقول إن الموت لم يعد بعيداً عنها وهي لا تأبه له بل تتمناه لأن الحياة أرهقتها كثيراً ولم تنصفها يوماً منذ وفاة زوجها مقتولاً في عام 1976 في حوادث الحرب الأهلية اللبنانية التي عادت لتسرق منها الأمل الباقي بعد عشر سنوات باختطاف ابنها الوحيد وما بينها من كد وتعب عانته لتأمين قوت ولديها الصغيرين.
7. والدة المعتقل عادل طبّاع، منيرة طبّاع: (توفيت في 11/06/2007 أي بعد كتابة هذا التقرير بأسبوع)
مظهر منيرة وحده كافٍ لتبيان الأثر الذي تركه اختطاف ابنها عادل (مواليد 1969) في منطقة جل الديب في عام 1985. الوهن الشديد باد على وجهها الذي حفر الحزن فيه التجاعيد وجسدها النحيل الذي لم يعد يساعدها كثيراً على الصراع الذي بدأته قبل 22 عاماً لمعرفة مصير ابنها. فمنذ ذلك الحين، لم تترك منيرة باباً لمسؤول إلا ودقّته لكن من دون جدوى سوى أنها عرفت أن ابنها نقل إلى داخل سوريا. أنفقت الكثير من المال لأشخاص أوهموها أنهم سيوصلونها إليه وكانوا يكذبون حتى فقدت الثقة بمعظم الناس واعتزلتهم وانزوت في همّمها وحزنها وتوترها وعصبيتها، معترفة أنها أهملت بيتها وزوجها وابنها فايز (مواليد 1983) الوحيد بعد عادل والذي أصبح الآن معيلها مع زوجها الذي تمكّن المرض

منه. تقول منيرة إنه " ما إن بدأ الإعتصام المفتوح حتى نسيت الدنيا بمن فيها ولم تعد ترى سوى الخيمة وتحركات الأهالي لمعرفة مصير أبنائهم". تفضّل أن تنفق المال الذي يتوفّر لها لا تعالج أمراضها المتعددة (أورام في الصدر والرحم وصداع في الرأس)، بل تحفظ ما يصل إليها من مال، لأجرة الطريق للإنتقال إلى وسط بيروت حيث يقام الإعتصام على بعد ساعة من منطقة النقاش حيث تسكن، إضافة إلى الشموع التي تشتريها لتضيئها يومياً على نية عودة ابنها سالماً.
8. والدة المعتقلين غسان وفادي عبدو، فاطمة الزيات:
الطريق ذاته الذي يمتد لعدة كيلومترات تسلكه فاطمة (مواليد 1941) رواحاً وجيئاً سيراً على الأقدام من بيتها في منطقة الوتوات إلى وسط بيروت حيث الإعتصام المفتوح بالرغم من الآلام الحادة في ركبتيها من دون أن تفوّت نهاراً بلا التواجد في الخيمة. تتساءل فاطمة "كيف يروق لي أن أجلس في منزلي، وعلى مقربة مني أمهات مثلي سرق أبناؤهم منهم ولا نتشارك أحزاننا ويخفف أحدنا على الآخر؟". الخيمة صارت بيتها بعد ما كرهت بيتها الأصلي لأنه شهد اختطاف ولديها غسان (مواليد 1964) وفادي (مواليد 1965) الواحد تلو الآخر أمام عينيها، عندما جاء أحد الأشخاص يريد التحدث إلى غسان قبل أن يأخذه معه إلى جهة مجهولة ولم تمنعه بنية طيبة، وبعد يومين عاد الشخص نفسه يريد اصطحاب أخيه فادي إلى حيث هو، فمانعت الوالدة لكنها رضخت بعد أن وعدها بعودتهما سريعاً وأخبرها عن مكانهما. لكن وقتاً طويلاً مرّ فبدأت رحلتها بين المسؤولين عن اختطافهما علّها تعيدهما، وكانت كل الوعود تذهب سدىً. لذا فإن الشعور بالمسؤولية لا يفارقها بأنها سلّمت ولديها إلى الخاطفين.
وما يزيد من ألمها بعد اختطافهم سفر ابنتها الكبرى للعيش مع زوجها في كندا وقضاء ابنتها الصغرى لينا وزوجها طوال النهار في عملهما ويخلو البيت عليها ويضيق وهي تشاهد صورهما المعلقة على الجدران في جميع الغرف حتى لا يغيبا عن ناظرها. تقول فاطمة إنه "منذ اختطافهما لم يخرجا من المنزل"، بل يعيشان معها في كل دقيقة، تحادثهما وترتّب ثيابهما وأغراضهما وتخبرهما عن أخبار العائلة. لكنها منعت القيام بأي شيء كانا يحبّانه أمامها، حتى وجبات الطعام المفضّلة لديهما والحلويات والأماكن التي كانا يزورانها. تشعر فاطمة بالذنب تجاه ابنتها لينا التي كانت في الثامنة من العمر لدى اختطاف أخويها، لأنها سكبت الهم فيها باكراً ولم تشاركها الفرح والبهجة في عمرها الصغير بل عايشت حزن أمها وتنقلها بين المسؤولين لإنقاذ ولديها. حتى أن لينا (مواليد 1977) الآن ترفض أن تتزوج وتفرح قبل عودة أخويها، سيما وأنها تحمل مسؤولية والديها بعد تدهور حالتهما الصحية منذ اختطاف ابنيهما.

9. والدة المعتقل علي الحاج، أدال الغوش:
تقسّم أدال (مواليد 1937) وقتها بين العناية بزوجها المريض تدبير شؤون بيتها والمواظبة على التواجد في الخيمة رغم أنها تتكبّد مشقّة كبيرة للوصول من بيتها الكائن في برجا على بعد أكثر من 40 كيلومتر، إضافة إلى أجرة الطريق التي كثيراً ما تستدين ثمنها، وهي في أصعب الظروف تصر على التواجد في الخيمة حتى لو اضطرت إلى إهمال منزلها وواجباتها الإجتماعية التي لم تعد تعيرها أهمية بعد تدهور حالتها النفسية لدى اختطاف علي. لكنها تقول إن الخيمة تقلل من همّها قليلاً عندما تتشاركه مع أمهات مثلها وتنتظر زيارة أي معتقل سابق في السجون السورية لتريه صورة ابنها علّه يتعرّف إليه، لا بل تشعر أنها في كل صباح تتوجّه إلى الخيمة كأنها ذاهبة لملاقاة ابنها واصطحابه معها إلى البيت. فابنها علي (مواليد 1967) اعتقل من بيته مع ابن خالته الذي أفرج عنه لاحقاً بعد أن أمضيا 10 سنوات في سجني تدمر وصندنايا، قبل أن ينقل علي إلى جهة مجهولة.
10. والدة المعتقل فادي حبّال، نذيرة عمار:
لا تعرف نذيرة من أين تأمل بأن يخرج ابنها فادي (مواليد 1964) سالماً من السجون الإسرائيلية كما كانت معتقدة لأكثر من تسعة عشر عاماً أم من السورية كما بلغتها معلومات تؤكد وجود ابنها في سجن سري تابع لأجهزة المخابرات بهوية سورية. وفادي الذي اعتقل على حاجز البربارة على أيدي عناصر القوات اللبنانية ثم أفرج عنه لاحقاً بتبادل للأسرى بين دار الإفتاء والقوات اللبنانية في عام 1986، لكنه لم يعد مع المفرج عنهم بل اعتقلته المخابرات السورية هذه المرة مع أشخاص آخرين، في منطقة المتحف على أنه سوري إسلامي ونقلته إلى سجن رومية اللبناني أولاً ثم إلى سجون المزة وتدمر وخان أبو الشامات السري. المعلومات الجديدة بلغت العائلة في شباط من عام 2005 من أحد المفرج عنهم، ما دفع شقيقته زينة إلى التردد لاحقاً على خيمة الإعتصام المفتوح حيث حملت صورة أخيها علّ أحد المفرج عنهم يتعرف إليه، وبالفعل فقد تعرّف أشخاص عدة على فادي ووصفوه وصفاً دقيقاً. تقول الوالدة إن السنوات التسعة عشر التي مرّت على اختطافه معتقدة أنه في اسرائيل في كفة والسنتين الماضيتين في الكفة الأخرى، فقد تدهورت صحتها أكثر، أما والده فأصيب بالشلل وتوفي حسرة على ابنه فادي. ومنذ ذلك الحين، وأخته زينة تتعقّب المفرج عنهم من السجون السورية متنقلة في مناطق مختلفة لا تعرفها، ليخبروها معلومة عن أخيها. تبكي نذيرة دوماً حسرة على فادي الذي عانى التعذيب من أطراف عدة في بلده وخارجه وهو الذي اختطف وهو لا يزال طالباً لم ينه دراسته بعد. أفراد إخوته الثلاثة وعائلاتهم منشغلون دوماً بهمّ فادي، يطّلعون على صفحات الإنترنت المعنية بالمعتقلين اللبنانيين

في سوريا ويتواصلون مع المعنيين لحل قضيته، لكن خوفهم الآن زاد بعد أن علموا بمكان وجوده وصفته؛ خوف تخشى والدته أن يكبر يوماً بعد يوم حتى يجعل من رؤية ابنها مرة جديدة شيئاً مستحيلاً.
11. والدة المعتقل جوزيف عون، جوزفين عون:
لم تعد جوزفين تريد شيئاً من الحياة سوى رؤية ابنها الوحيد جوزف (مواليد 1965) الجندي في الجيش اللبناني الذي اختطف في منطقة البقاع الغربي في أيلول من عام 1982 وسلّم إلى القوات السورية التي نقلته إلى سجونها على أنه سجين سياسي. حينها جاب الوالدان داوود وجوزفين كل المناطق بحثاً عن وحيدهما وباعا ممتلكاتهما والأراضي التي ورثانها لدفع ثمن معلومة يخبرها أحدهم لهما، إلى أن أخبرهما كبار الضباط السوريين باستحالة الإفراج عن جوزيف لأنه سجين سياسي. حسرة الإبن الوحيد كبرت مع العجوزين وحمّلتهما أمراضاً مختلفة (القلب والسكري والأعصاب). الوالدان لا يتعبان من قطع مسافة مئات الكيلومترات من بلدتهما صغبين حيث يسكنان في البقاع الغربي للمشاركة في الإعتصام المفتوح. تقول الوالدة إن الخيمة تهدّئ من روعها قليلاً عندما تجلس مع أهالي يحملون الهمّ ذاته، وتهرب من الوحدة التي تزيد من جنونها في بيتها حيث كل شيء يذكرها بجوزيف ولا شيء يشغلها عن التفكير به.
12. والدة المعتقل جهاد عيد، سونيا عيد:
أجمل يوم والأكثر حسناً في حياة سونيا (مواليد 1937) هو يوم ميلاد ابنها جهاد (مواليد 29 نيسان من عام 1970) حينما يلتفّ أولادها من حولها للإحتفال بعيد أخيهم العريف في الجيش اللبناني والمختطف منذ 13 تشرين الأول عام 1990 من منطقة الحدث. وبعدما توسّلت عدداً من المعنيين في لبنان وسوريا، تمكّنت من زيارته في العام 1991 في سجن فلسطين السوري لدقائق معدودة، كانت أصعب ما حصل معها في حياتها لدى رؤيتها لابنها الهزيل من وراء القضبان الحديدية من دون أن يسمح لها بالتحدّث إليه. تقول سونيا إن هذه اللحظات منعتها من النوم ليالي كثيرة، وسماعها لاحقاً من المفرج عنهم بأنه ملقّب بجهاد الأعرج، وهذا كان كافياً ليصيبها بمرض السكري والضغط. يحاول أولادها الثلاثة زياد وعماد ونتالي تعويضها عن المرارة التي ذاقتها، لكنهم لا يستطيعون أن ينسوها أن صغيرها "ربما يقبع تحت الأرض ولا يأكل إلا فتات الخبز العفن ولا يرى الشمس فكيف أضحك وأستمتع بحياتي؟". تقول سونيا إن ريادتها لتحرك الأمهات منذ اليوم الأول لاختطاف ابنها قبل 17 عاماً ومنذ سنتين في الإعتصام المفتوح الذي تتردد على خيمته يومياً قاطعة مسافة أكثر من ساعة، يخفّف عنها الكثير لا سيما عندما تساهم في رفع قضية مظلومين كثر عالياً في لبنان وخارجه.

13. والدة المعتقل جوني ناصيف، فيوليت ناصيف:
تؤمن فيوليت بأن الحق يحتاج لمطالب، لذا فإنها عاندت أكثر وثابرت لانتصار قضية ابنها العادلة ولم تترك باباً إلا وطرقته. لاحقت المسؤولين اللبنانيين والسوريين وطلبت مساعدة رسميين أوروبيين وأعضاء مجلس النواب الأميركي لإنقاذ جوني )مواليد 1974) الجندي في الجيش اللبناني والذي اختطف في 13 تشرين الأول 1990. حتى تمكّنت بعد سنة واحدة من زيارته في فرع التحقيق العسكري في عامي 1991 و1994 قبل أن تحرم من زيارته وأخباره. لذا فإنها كانت أكثر من انهار حينما أعلنت لجنة تقصي مصير المفقودين الرسمية توفيتهم جميعاً في عام 2000، فكيف تعتبره في عداد المتوفين وقد زارته مرتين اثنين، وبلغتها معلومات وثيقة بوجوده مع مئة وستة وسبعين معتقلاً لبنانياً في سجن تدمر؟
لا يمكن لفيوليت أن تتذكر الزيارتين من دون أن تغرق في البكاء لساعات طويلة. في كل مرة كانت تشاهده للحظات فقط، لم تتفوه خلالها بكلمة واحدة لشدة انفعالها. حتى الآن لم تخبر أحداً بالشعور الحقيقي الذي أحسته خلال وبعد رؤية جوني شديد النحول ونظراته الزائغة وتشوشه، إذ "كان يشبه الكائن الحي. الله يسامح المذنب".
14. والدة المعتقل جورج غاوي، ماري غاوي:
وصلت الوحدة بماري (مواليد 1943) إلى تلقّي العلاج لدى طبيب أعصاب. زوجها توفي في عام 1975، فعملت لتعيل ولديها اللذان اعتقل أحدهما جورج في عام 1983 في الشياح. سألت عنه كثيراً حتى ضيّعتها المعلومات التي وصلتها من أشخاص كثر من دون نتيجة سوى أن ابنها نقل إلى سجن تدمر في سوريا. وبعد أن أفاقت من هول الفاجعة التي أصابتها واستوعبت أنها ربما لن ترى جورج مجدداً، بدأت رحلتها مع المرض إذ مكثت طوال 15 عاماً في المستشفيات بصورة شبه دائمة؛ إلى أن انتهى الأمر بها بعدة أمراض تؤرق حياتها لعل أصعبها عدم نسيان مأساة ابنها للحظة. لكن ماري التي لملمت قواها مجدداً وعملت لتعيل نفسها بعد زواج ابنتها، ابتكرت الإهتمام بهوايات مختلفة تؤمن لها الإطمئنان قليلاً. ماري مشهورة بالزرع والورد، تقول أن لا شيء يجعلها تفرح منذ اختطاف وحيدها جورج سوى الحديقة التي تعتني بها وتشغلها عن الوحدة القاتلة التي تفترسها في بيتها. لذا تراها تهتم بالزيارات والعلاقات الإجتماعية علّها تخرجها من دوّامة التفكير بمعاناتها التي لا تنتهي. تقول ماري إن أكثر ما يقلقها أن تموت "قبل أن يحدد مصير جورج، فمن سيحمل همّه ومأساته بعدها؟".

15. والدة المعتقل ستافرو أندريوتي، ماغي أندريوتي:
تكتفي ماغي بالسؤال " ماذا علي أن أشعر عندما أسمع أن ابني الوحيد ستافرو (مواليد 1962) لا يريد الخروج من السجن لأنه مصاب بحروق بليغة وبتشوه كبير ويفضّل البقاء حيث هو إذ يعاني من نوبات عصبية حادة وقصور في القلب؟. لا يمكنني إلا أن أجلس في خيمة الإعتصام وأشارك في جميع التحركات لأطلب من جميع الناس بأن يساعدوا ابني". وكان ستافرو اختطف في الفنار في تموز من عام1978 مع ملكي شميط وأنطوان طويل وجوزف سبع. وكان الكثير من المسؤولين قد وعدوها بالعمل للإفراج عن ستافرو، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل.
16. والدة المعتقل جورج شمعون، كمال شمعون:
خمسون عاماً صار عمر جورج الجندي في الجيش اللبناني، قضى أكثر من نصفها معتقلاً في السجون السورية. وسبعون عاماً صار عمر والدته كمال ولا تزال تعيش مأساة ابنها المختطف منذ عام 1979 في شتورا في البقاع قبل أن ينقل إلى سوريا. لم تفقد الأسرة معيلها الوحيد فقط بل خسرت العماد الأساسي للعائلة، بل خسرت راحة البال. تقول كمال "أفكر كل ليلة بجورج كيف على ماذا ينام وماذا يأكل. وفي الشتاء ألوم نفسي فهو من دون شك بردان ومحروم من الدفء. أفكر فيه وأنا أقوم بكل شيء حرم منه وكم هو محروم من أبسط حقوقه".
17. والدة المعتقل رشيد اللداوي، خديجة اللداوي:
في خضّم فوضى الحرب الأهلية، كانت خديجة (مواليد 1939) تتنقّل بين المناطق اللبنانية وتخترق حواجز الميليشيات للبحث عن ابنها رشيد (مواليد 1961) المختطف منذ العاشر من نيسان من عام 1976 في طرابلس. فلم تكن خديجة تتورّع عن ترك منزلها في طرابلس لأيام وتتوجّه إلى مراكز الأحزاب ومكاتب المسؤولين لتسأل عن ابنها بعد أن علمت أن رجلاً فلسطينياً اصطحبه معه إلى أماكن في لبنان ثم نقل إلى سجن المزة في سوريا. "أولاد الحلال" كما تصفهم، أخبروها إن ابنها في صور ثم في صيدا وفي البقاع والشمال وكانوا يكذبون، لكنها لم تكن تملك إلا أن تصدقهم وتذهب إلى آخر الدنيا علّها تعثر على ابنها. زوجها كان مريضاً لدى اختطاف ابنه وكان عاجزاً عن العمل، فكانت تعتمد على مساعدة أخيها لتغطية نفقات تنقلاتها بين المناطق الغريبة التي لا تعرف فيها أحداً. تحمّلت البرد والجوع ونامت في الشوارع وتعرّضت للإهانات والضرب والتنكيل على الحواجز من دون أن تردعها عن


مواصلة البحث في لبنان حتى علمت أنه في سوريا فجالت على جميع مراكز السجون ولم يعترف بوجود رشيد أحد من مسؤوليه.
حسرة خديجة كبيرة جداً، إذ تقول إن القدر بكّر كثيراً في مصيبتها التي تحملها منذ 32 عاماً؛ "فكيف بابني الذي أمضى هذه السنوات في الجحيم!". تراه كثيراً في منامها وحيداً يتألم لكنها لا تستطع تقديم شيء له. الأسرة حملت قسماً من همّ اختفاء أخيهم. الوالد والإبن الأصغر توفيا بعد سنوات قليلة وابنتاها تزوجتا، فيما ابنها الأكبر نزيه انصرف إلى العمل ليعيل العائلة وبقيت هي بمفردها.
تحاول خديجة منذ بدء الإعتصام المفتوح التغلب على أوجاعها (تعاني من الصداع والضغط والقرحة ونشفان في الرأس)، و قطع عشرات الكيلومترات من طرابلس إلى بيروت للمشاركة وعرض صورة ابنها علّ أحداً يتعرّف عليه ويطمئنها على مكانه. وبعد عودتها إلى المنزل ترتاح قليلاً قبل أن تستأنف رحلة البحث عن المحررين من السجون السورية لسؤالهم عن ابنها رشيد.
18. شقيقة المعتقل علي عبدالله، فاطمة عبدالله:
إذا كانت العائلة قد ارتاحت بعد سنة واحدة إثر الإفراج عن ابنها عباس من معتقل الخيام في عـام 1990، إلا أن مصير ابنها الآخر علي (مواليد 1959) لا يزال يؤرقها منذ اختطافه في منطقة الكولا في تموز 1981 على يد عناصر من المخابرات السورية. توّلت شقيقته فاطمة متابعة قضيته والبحث عنه فأفادها بعض المفرج عنهم لاحقاً بأن علي كان معه في سجن المزة فرع أمن الدولة. تقول فاطمة إن "أصعب شعور هو أن تتمزّق الأسرة الواحدة بين سجنين في مكانين مختلفين، كلاهما يتألم وينتظر مصيراً مجهولاً من دون ذنب". وكانت فاطمة تقسّم وقتها بين زيارة أخيها عباس في معتقل الخيام وبين البحث عن علي في سوريا وعن المفرج عنه إذا كانوا يعرفونه. "الوالدة قتلها الهمّ"، كما تقول فاطمة "فحزنها كان مضاعفاً على ابنيها وليس بيدها حيلة لإنقاذهما".
ترى فاطمة أن "الخيمة كانت بصيص الأمل لحل قضية المعتقلين اللبنانيين في سوريا بعد الإنسحاب السوري، إلا أن التفاؤل كان كبيراً تجاه الجانب الرسمي الذي استخدم الملف لصالحه ولم يحسب حساب وجعنا منذ سنوات طويلة والذي يبدو أنه لن ينته عمّا قريب".




19. شقيقة المعتقل علي شعيب، ليلى شعيب:
معروفة ليلى من بين الأهالي. إنها السيدة الحزينة التي لا تخلع لباس الحداد ولا تترك عينيها للشمس بل تختبئ وراء النظارة السوداء جالسة على إحدى المقاعد كأنها تنتظر خبراً يطمئنها أو حتى تنتظر عودة أخيها حسن. تقول ليلى (مواليد 1970) إن الحزن خيّم على منزل أسرتها باكراً جداً باختطاف أخيها حسن (مواليد 1959) في أيار من عام 1976 من منزل العائلة في وطى المصيطبة ونقل إلى عينطورة. وبعد مرور 24 عاماً على اختفائه، وردت معلومات بأنه موجود في سوريا بعد أن قطعت العائلة الأمل في عودته أو معرفة شيء عنه. ومنذ بدء الإعتصام المفتوح، التقت ليلى ببعض المفرج عنهم الذين تعرّفوا على صورة حسن وأكّدوا أنه كان معهم في السجون السورية. تشعر ليلى بأن الأمر لم يعد أسهل بكثير بعد معرفتهم مكان حسن، فالمعلومات الجديدة ألقتهم في دوّامة أكبر من دون القدرة على فعل شيء.
الوالد توفي بعد سنوات قليلة، أما الوالدة جميلة خريزات فلا تزال تصارع مرضها وتصمد حتى يوم لقاء ابنها في يوم قريب وتعلّل نفسها برؤية حسن في أحلامها يناديها ويطلب منها بأن تساعده. كذلك ليلى فإنها لا تكّف عن رؤية حسن في أحلامها يخبرها "عن أحواله والظلمة التي يعيش فيها والشقاء الذي عاناه". تعرف ليلى وأسرتها أنهم ينتظرون الحقيقة من المجهول حتى بعد معرفتهم بأن حسن نقل إلى داخل سوريا، وجلّ ما تخاف منه هو أن "يبقى حسن حزنهم الأبدي "لأن معظم ضحايا هذا الظلم لم يسترجعوا حقّهم بعد".
20. قريبة المعتقل جرجي حنا، نور حنا:
ترفض نور أن تموت قضية شقيق زوجها جرجي حنا (مواليد 1943) بموت والدته أو هجرة زوجته الألمانية وولديها إلى ألمانيا. فبالإضافة إلى أن والدته أوصتها بمتابعة القضية وهي تحتضر بين يديها، تشعر نور بأنها أمانة في رقبة جميع الناس للمطالبة بحقوق هؤلاء المظلومين والمحتجزين خارج بلادهم من دون محاكمة. لذا فإنها لا تبخل على جرجي والآخرين بالمجيء يومياً إلى خيمة الإعتصام في وسط بيروت آتية من بلدة جدايل في قضاء جبيل (على بعد أكثر من 80 كيلومتراً)، بالرغم من أنها لا زالت ترعى أولادها الثلاثة وتتدبّر شؤون منزلها بمفردها، إلا أن الإعتصام المفتوح هو "واجبها اليومي الذي يتجدد مع كل نهار". وكان جرجي قد فقد في منطقة تلة الخياط في بيروت بتاريخ 10 أيلول 1985 في طريق عودته من الجامعة اللبنانية كلية الهندسة حيث كان يعطي دروساً فيها. ثم تلقّت عائلته إتصالاً هاتفياً بعد عشر سنوات يفيدها بأنه موجود في سجن المزّة فرع فلسطين فحاولوا زيارته هناك، لكنهم

منعوا لأن جرجي محكوم بالمؤبد ولا يسمح لأحد بزيارته. هذه النهاية المأساوية لسر اختفائه لم تنه مسيرة المطالبة بعودته والتي تواصلها نور باسم العائلة والتي لا تفرّق "بين مسؤولية ذوي المعتقلين عن البحث عنهم والحزن لأجل مصيرهم، بل هو همّ وطني يعني كل لبناني وكل إنسان في العالم أن يتحرّك ليريح هؤلاء المفجوعين بأبنائهم وأقربائهم وينتظرون الفرج من كل باب".
التوصيات
1- الكشف عن المقابر الجماعية لضحايا الاحتلال الاسرائيلي والهيمنة السورية والحرب الأهلية.
2- إجراء التحليلات الأنتروبولوجية والشرعية والجينية (المعروفة بفحوصات الحمض النووي) للتحديد القطعي لأسباب الوفاة وهوية المتوفين.
3- تحديد المسؤوليات الفردية والرسمية عن عمليات الاعتقال والخطف والتعذيب.

4- كشف مصير المفقودين السوريين في لبنان والتحقيق بملابسات اختفائهم وتحديد المسؤولين عن ذلك ومعاقبتهم وخاصة الممارسات العنصرية التي استهدفت العمال السوريين بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وحتى اليوم.
5- اعداد لائحة كاملة بالمفقودين كافة الذين اختطفتهم المخابرات السورية او الذين سلمتهم بعض الأحزاب اللبنانية الى سوريا.
6- الاستفادة من تقرير هيئة تلقي الشكاوى واعتباره وثيقة اتهام قضائية بحق منفذي عمليات الاختفاء القسري.
7- إجراء تحقيق مع المسؤولين اللبنانيين والسوريين كافة الذين مارسوا عمليات الخطف، والاستماع الى شهادات اهالي المعتقلين والمُفرج عنهم من السجون السورية.
8- الاستفادة من المعلومات التي اعلنها المـجلس الوطني للحـقيقة والعـدالة والمصالحة في سورية الذي أعـلن بتـاريـخ 06/05/2005 عن حصوله على وثائق أربع تؤكد ان "مفقودين لبنانيين" كانوا موجودين في السجون السورية.
9- تسليم جثث المتوفين تحت التعذيب وتحديد أسباب الوفاة.

10- مطالبة الحكومة السورية بدفع التعويضات لعائلات المفقودين وضحايا التعذيب المُفرج عنهم.
11- تقديم المساعدة الصحية والنفسية والاجتماعية لأهالي المفقودين والمُفرج عنهم ووضع برامج اجتماعية لجبر الأضرار التي لحقت بالعائلات والضحايا المتعلقة بالتعويض وإعادة الإدماج.

ملف المفقودين هو ملف مفتوح لا يمكن ان تقفله التقارير واللجان، لأن كل مفقود هو حي طالما لم يثبت العكس او تسلم جثته، وان الحقيقة التي ينتظرها أهالي المختفين قسرياً ليس في إعداد اللوائح بأسماء الضحايا فقط بل في التحديد الدقيق لظروف الاختطاف والاختفاء القسري وتوضيح مصير المُختفين وإعلان الأسباب والمسؤوليات.