تقرير مركز الخيام عن أوضاع حقوق الإنسان والتعذيب في لبنان 2007/2008
مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب على الفيس بوك
تقرير مركز الخيام عن أوضاع حقوق الإنسان والتعذيب في لبنان 2007/2008

تكثّفت تداعيات الزلزال الذي ضرب لبنان إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري قبل ثلاث سنوات، كأنما يراد لهذا البلد ألا يخرج من دوامة الإضطرابات الأمنية والسياسية والإنقسامات الشعبية التي تفتّت ما بقي من وطن ومجتمع أهلي. فعام 2007 لم يكن أفضل من السنتين السابقتين؛ اغتيالات وتفجيرات وزعزعة للسلم الأهلي وبثّ سموم الفتن الطائفية والمذهبية حتى لم يعد لبنان بلد الحضارة ومنارة الحرية. وكأنه لم يكن ينقص هذا البلد الهشّ التصادم الداخلي ومسلسل القتل الذي لا ينتهي بما يحصده من شخصيات ومدنيين أبرياء، حتى تلحقه لعنة التنظيمات المتطرفة وفتحت الباب أمام تشريد جديد للاجئين الفلسطينيين من بيوتهم في مخيم نهر البارد وارتكاب انتهاكات جمّة في السجون ومراكز الإحتجاز للموقوفين من فتح الإسلام و المدنيين الفلسطينيين

الأسرى والمفقودون اللبنانيون
شكّل عام 2007 نسخة طبق الأصل لعشرات السنوات التي لم تجر فيها الحكومات المتعاقبة تحقيقاً جدياً لمعرفة مصير 17 ألف مفقوداً لبنانياً اختفوا خلال الحرب الأهلية؛ فيما اللجنة السورية اللبنانية التي تشكّلت في حزيران 2005 لكشف مصير المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية الذين يقدّر عددهم بحوالى 640، لم تعط إلى الآن نتائج أو مؤشرات لحل معاناة عشرات العائلات التي ترفض فكّ اعتصامها المفتوح منذ 11 نيسان 2005 أمام مقر الإسكوا في بيروت قبل كشف مصير أبنائها.
ولا يزال الأسرى اللبنانيون الستة في السجون الإسرائيلية ينتظرون إتمام عملية التبادل بين حزب الله واسرائيل لإطلاق سراحهم وعلى رأسهم عميد الأسرى اللبنانيين سمير القنطار الذي يتم في 22 نيسان المقبل 30 عاماً من الإعتقال، فيما يواصل القضاء الجنائي الإسرائيلي محاكمة أسرى حزب الله الأربعة أمام المحكمة المركزية ما يخالف اتفاقية جنيف الرابعة التي تنص على معاملتهم كأسرى حرب لأنهم اعتقلوا من الأراضي اللبنانية خلال عدوان تموز 2006. وبالرغم من أن مدة حكم الأسير نسيم نسر قد انتهت في 2 شباط الفائت، إلا أن مديرية السجون قد مددت له لشهرين آخرين معرضان أيضاً للتمديد لأن وزارة الداخلية ترفض الإفراج عنه لأنه يمثل خطراً على اسرائيل وتهدد بمنع الإفراج عنه أو وضعه قيد الإقامة الجبرية في القدس إذا أفرجت عنه ومنعه من العودة إلى وطنه كما يرغب

القنابل العنقودية
لا تزال أكثر من 4 ملايين قنبلة عنقودية خلفتها اسرائيل في عدوان تموز في الأراضي الجنوبية، الخطر الدائم والعدوان المستمر الذي يهدد الناس وأرزاقهم. وفيما تصر اسرائيل على عدم تسليم خرائط الأماكن التي أمطرتها بالقنابل، تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن المصابين بلغوا أكثر من 260 من بينهم 88 في المئة من الرعاة والعمال والمزارعين الذكور الراشدين آخرهم كان الراعي عبد الله محمد فوعاني (40 عاماً) وقتل 7 وأصيب 71 شخصاً دون الثامنة عشرة آخرهم الطفل علي قدوح (6 أعوام). علماً بأن 40 في المئة منها غير قابلة للانفجار لأنها منتهية الصلاحية. وممّا يزيد من خطرها الأمطار التي تنقلها من مكان محدد ومسيّج إلى آخر يعتقد أنه نظيف في مساحة كانت تمتد على 32 مليون متر مكعب، وارتفعت خلال عام ونصف عام إلى 38,3 مليون متر مربع، وهذا العدد مرشح للإزدياد ويبقى هناك 8 ملايين متر مربع لتنظيفها

استمرار الإغتيالات
في 13 شباط 2007 انفجرت قنبلة بحافلة عمومية للركاب في منطقة عين علق في المتن الشمالي ما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين. وإذ توالت التفجيرات المتنقلة مخلّفة خسائر في أرواح وممتلكات المواطنين الأبرياء، اغتيل في 13 حزيران في بيروت النائب وليد عيدو الذي قتل في الحادث مع نجله ومرافقيه وستة مدنيين كانوا يمرون في المكان. وبعد أيام، استهدفت سيارة أخرى مفخخة للمرة الأولى في 24 حزيران، آلية تابعة للوحدة الإسبانية العاملة في إطار قوات اليونيفيل في سهل الخيام في الجنوب ما أدى إلى سقوط 6 جنود إسبان.
مسلسل الإغتيالات استمر في لبنان حاصداً في طريقه مدنيين أبرياء، من دون أن يقطعه تحقيق فعلي أو كشف جدي لخيوط الجرائم ومرتكبيها. وفي 19 أيلول اغتيل النائب أنطوان غانم في سن الفيل على بعد أمتار من مركز لقوى الأمن وقتل مرافقه وأربعة مواطنين آخرين. وفي 12 كانون الأول، قتل مدير العمليات في الجيش اللبناني العميد فرنسوا الحاج ومرافقه. وفي 25 كانون الثاني، قتل النقيب في فرع المعلومات وسام عيد مع مرافقه وسبعة مواطنين في الحازمية
ولا يزال الضباط الأربعة الموقوفين في قضية اغتيال الشهيد رفيق الحريري من دون محاكمة أو إدانة خصوصاً وأن المسؤولين في لجنة التحقيق أعلنوا مراراً عن عدم اتهامهم بجريمة اغتيال الحريري. فقد رأى فريق العمل المعني بالاعتقال التعسفي في المفوضية العليا لحقوق الإنسان في جنيف أن حجز حريتهم تعسفي لتعارضه مع ما تنص عليه المادتان 9 و14 من العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يعد لبنان طرفاً فيه

تفشي الطائفية والإنقسام
الأزمة السياسية والإنقسام بين الفرقاء السياسيين انعكس عنفاً وتصادماً في الشارع. ففي 23 كانون الثاني 2007، قتل الطالب عدنان شمص وجرح العشرات في حوادث مواجهات بين طلاب موالين لفريقي المعارضة والسلطة إثر ندوة سياسية وتطور التصادم إلى مواجهات تحكّم فيها قناصة مجهولون أطلقوا النار على المتصادمين في الشارع على مرأى من القوى الأمنية التي لم تحقّق في الحادثة وتلاحق الفاعلين. بعدها بعام في 27 كانون الثاني، ظهرت أطياف احتمال تجدد الحرب الأهلية بعد المواجهات التي دارت بين بعض المحتجين على انقطاع الكهرباء وبين الجيش اللبناني في منطقة مار مخايل بعد قيام الشبان الذين احتجوا بإحراق الإطارات المطاطية ومحاولة قطع الطريق، فوجئوا بإطلاق الرصاص عليهم من كل حدب وصوب من قبل عناصر الجيش اللبناني ومن مصدر مجهول وسقط بينهم ثمانية ضحايا بينهم مسعفان في الدفاع المدني والإسعاف الشعبي

أوضاع السجون
لا تزال الشكوك المشروعة تحوم حول طريقة تعامل وحدة المخابرات العسكرية في وزارة الدفاع وفرع الإستخبارات في قوى الأمن الداخلي وفرع مكافحة تهريب المخدرات، مع الموقوفين والسجناء خصوصاً وأن أصوات الذين يتعرضون للتعذيب والضرب لا يزال يصدر من بعض المخافر وعلى رأسهم مخفر حبيش المخصص أولاً للمتهمين بتعاطي والإتجار بالمخدرات والآداب. مع الإشارة إلى الحكم القضائي الصادر في آذار 2007 وأدان شرطياً بتعذيب عامل مصري قيد الإحتجاز قبل 3 سنوات.
وقد شهدت الفترة الأخيرة، ازدياداً لافتاً في عدد المساجين المتوفين ما يضرب ناقوس الخطر بشدة على أوضاع السجون المزدحمة في لبنان والتي تشكل حادثة هروب 10 سجناء من سجن زحلة (في 24 شباط) فضحاً صارخاً لها. علماً بأن أعضاء لجنة حقوق الإنسان النيابية قد وصفت السجن خلال زيارته قبل عام واحد بأنه "سجن لمن يُرسَلون الى الموت وأسوأ السجون التي لا تصلح زريبة للحيوانات والمطلوب حل جذري". لكن الحل لم يظهر بعد بالرغم من ادعاءات قوى الأمن الداخلي باحترام حقوق السجناء.
أما السجناء المتوفون فليس أولهم الموقوف ناجي أحمد خضر المتوفى داخل سجن طرابلس (في 11 كانون الأول 2006) وقد لا يكون آخرهم الموقوف وسام الصندقلي (33 عاماً) الذي توفي في (8 آذار 2008) في المستشفى الذي نقل إليه بعد تعرضه في سجن رومية إلى أزمة قلبية وجلطة دماغية. مروراً بخمسة موقوفين وسجناء آخرين لبنانيين وغير لبنانيين توفوا في سجن رومية وفي نظارات احتجاز أخرى ولم تجر قوى الأمن الداخلي تحقيقاً جدياً وعلنياً في الحوادث سوى أنها ردّت في كل مرة أسباب الوفاة إلى مشاكل صحية يعانون منها. في أحداث مار مخايل (في 27 كانون الثاني) اعتقل الجيش بعض الشبان المحتجين واقتادوهم بالعنف والركل والشتائم الضرب بأعقاب البنادق إلى الآلية العسكرية بحسب ما كان يظهر مباشرة على الشاشات، ثم إلى مديرية المخابرات. وتبيّن بأن الشرطة العسكرية قد احتجزت لحوالى أسبوع خمسة قاصرين في أحد نظاراتها مع البالغين واستجوبتهم من دون حضور المندوب الإجتماعي كما يقتضي قانون حماية الأحداث اللبناني وأطلقتهم (في 2 شباط) بسندات تعهّد. وهم ذكروا بأنهم عناصر الشرطة بهدف التفتيش، أجبروهم على التعرّي أمام بعضهم وأمام الموقوفين الآخرين من البالغين، بعدما اشتبه بوجود أغراض ممنوعة بحوزتهم

معركة نهر البارد
أدّت معركة نهر البارد التي وقعت بين الجيش اللبناني ومنظمة فتح الإسلام المتطرفة في صيف 2007 إلى تدمير المخيم الفلسطيني الذي كان يتمركز فيه عناصر المنظمة ما أدى إلى سقوط ما لايقل عن 40 مدنياً وتشريد سكانه الذي يبلغ تعدادهم 30 ألفاً وتدمير بيوتهم وممتلكاتهم ونزوحهم إلى مخيم البداوي المجاور والمخيمات الأخرى.
أما مأساة نساء وأطفال عناصر فتح الإسلام (19 امرأة و37 طفلاً) فقد انتهت في لبنان في 20 شباط الفائت مع ترحيل آخر عائلة منهم كانت لا تزال قيد الإقامة الجبرية في أحد مساجد صيدا منذ شهر أيلول الفائت. علماً بأن ترحيلهم يخالف المواثيق الدولية التي تحتم بقاءهم في لبنان لاحتمال تعرضهم للملاحقة في سوريا والأردن حيث توجهوا واللتين تطاردان أزواجهن وآباءهم الذين قتل بعضهم ويحاكم البعض الآخر
وخلال سير المعارك التي استمرت 3 أشهر من أيار إلى أيلول 2007، قامت القوى الأمنية اللبنانية باعتقال الفلسطينيين الفارين من المخيم ومنهم عدد من القاصرين، تعسفاً بتهمة تعاونهم مع فتح الإسلام. ولم يجر تحقيق أو مراجعة في الإنتهاكات غير المبررة التي ارتكبت بحق الفلسطينيين بسبب وجود فتح الإسلام في مخيمهم أو في حادثة إطلاق النار (في 29 حزيران 2007) على متظاهرين فلسطينيين مدنيين كانوا يطالبون بالعودة إلى نهر البارد، ما أدى إلى مقتل اثنين منهم. أما تعاطي مديرية المخابرات وقوى الأمن مع موقوفي فتح الإسلام الذين يبلغ تعدادهم أكثر من 220، فذاك أمر يستحق التوقف عنده لأن التطرف لا يبرر العنف والتعذيب وسوء المعاملة في المقابل؛ فقد توفي أحدهم في سجن رومية ولم تحدد أسباب الوفاة. وفي 31 آب 2007 عرضت قناة العربية شريطاً يظهر أحد قادة المنظمة ويدعى أبو هريرة وهو مصاب وفي قبضة قوى الأمن التي تحاول استجوابه بالرغم من أنه كان ينزف إلى أن فارق الحياة؛ ما ينقض الرواية الرسمية بأنه قتل فوراً خلال تبادل النار بينه وبين قوى الأمن

أوضاع العاملين واللاجئين
فيما لا يزال واقع اللاجئين الفلسطينيين على حاله من التمييز والمعاناة والإجحاف في حقوقهم المدنية، تفاقمت خلال العام أزمة اللاجئين العراقيين المقدر عددهم بنحو 50 ألفاً في لبنان الذي لا يوفر لهم أي خدمات وحماية بل رفضت حكومته إضفاء الوضع القانوني على اعتراف المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالقادمين منهم؛ فالكثير منهم يتعرضون للإعتقال والغرامات والإحتجاز لأجل غير مسمى وإجبارهم على العودة إلى العراق بالإكراه، قبل أن تقوم مديرية الأمن العام إخلاء سبيل بعضهم في إطار تسوية أوضاع الرعايا الأجانب في لبنان.
فيما أحرزت دول عدة تقدماً تجاه احترام حقوق العاملات الأجنبيات في المنازل، إلا أن لبنان لا يزال قاصراً في هذا الشأن حيث تتكرر بشكل دائم حوادث الإنتحار والهروب من مراكز العمل بسبب القوانين الجائرة والمجحفة لناحية الراتب الشهري والضمان الصحي والعنف الممارس ضدهم من دون رادع ورقابة صارمة من الحكومة. وقد سجّلت حوادث انتحار أكثر من 200 عاملة منزلية في لبنان خلال السنوات الأربع الماضية من دون تحقيق فعلي في وفاتهن

ازدياد العنف والإنتحار
شهد العام المنصرم تصاعداً مخيفاً في معدل جرائم القتل والخطف وحوادث الإنتحار التي باتت تتكرر في الأسبوع الواحد. ففي أقل من أسبوعين في شهر آذار الحالي سجلت 6 حوادث انتحار معلنة

التمييز ضد المرأة
رغم فعاليتها في جميع مجالات المجتمع، فالمرأة اللبنانية لا تزال تعاني من التمييز في قوانين الأحوال الشخصية والجنسية، والقوانين الجنائية المتعلقة بالعنف الأسري. ولا يجيز القانون اللبناني أن تمنح المرأة اللبنانية جنسيتها لزوجها أو لأطفالها بالرغم من الحملات المكثّفة التي قادتها الجمعيات النسوية خلال العام الفائت

وإزاء الواقع المتأزم الذي يعيشه لبنان والمتدهور يوماً بعد يوم، بسبب تعنّت الفرقاء السياسيين في التوصل لحل وانفلات الأوضاع الأمنية وتفشّي الطائفية والمذهبية تداعياً للإنقسام السياسي، يشهد البلد شللاً تاماً في مختلف مناحيه الإقتصادية والإجتماعية والثقافية. علماً بأن الفوضى السائدة يمكن أن تفتح الباب على مصراعيه أمام انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان من دون محاسبة أو تحقيق جدي. حتى أن الواقع الحالي يؤثر بشكل سلبي على عمل الهيئات المعنية بحقوق الإنسان ورصد مظاهر التعذيب في السجون وغيرها كما تؤثر على الواقع المعيشي والمعنوي للبنانيين

آذار/مارس 2008