تقرير عن انعكاسات حرب باب التبانة في شمال لبنان على ضحايا التعذيب والمواطنين - سبتمبر 2008
مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب على الفيس بوك
تقرير عن انعكاسات حرب باب التبانة في شمال لبنان على ضحايا التعذيب والمواطنين - سبتمبر 2008
خلفية تاريخية:
منطقة التبانة هي أحد أبواب المدينة الثلاث الذي يحدها جهة الشمال لذلك تعتبر منطقة باب التبانة هي البوابة الشمالية لمدينة طرابلس, وهي كانت منطقة مزدهرة إقتصادياً وتجارياً ومن أهم المناطق في المدينة.
حركة إقتصادية وتجارية كبيرة نظراً الى كثرة المؤسسات التجارية والصناعية ودور السينما والمقاهي.
ولكنها كبقية المناطق اللبنانية شهدت الكثير من الأحداث وتلقت الكثير من الضربات منذ العام 1975 أي إندلاع الحرب الأهلية.
إلا أنّ أبرز هذه الحوادث كان العام 1986 في 6 شباط تحديداً حيث نفذت في منطقة باب التبانة مجزرة رهيبة على يد الجيش السوري. ومن نتيجة هذه المجزرة الالاف من القتلى والمشردين والمهجرين, إضافة الى ذلك تدمير الكثير من المباني والمنازل والمؤسسات التجارية والصناعية التي لم يعد لها وجود , وأضّحت منطقة التبانة بعد هذا التاريخ بؤرة من بؤر الفقر والبؤس والحرمان ولم تزل الى هذا اليوم.
منطقة التبانة من أفقر المناطق في لبنان حيث يعاني أفرادها من الفقر وسوء التغذية ورداءة التعليم, ومما يزيد في الأمر سوءاً هو غياب مؤسسات الدولة والمؤسسات الخاصة عن هذه المنطقة, لذلك فهي منطقة محرومة من أدنى الرعاية والاهتمام بالإضافة الى كثافة سكانية كبيرة تقدر 145 الفا, وسوء التنظيم المدني حيث ان المباني متجاورة بشكل كثيف جداً.
كل هذه الامور من فقر وحرمان وسوء رعاية وسوء إهتمام بهذه المنطقة بالإضافة الى الأحداث التي مرّت بها خلال الحرب الأهلية مع الأحداث الأخيرة التي حصلت وأدت الى إشتباكات مع منطقة جبل محسن من جديد, أدت الى خلق حالة نفسية وإجتماعية متفككة والى أوضاع إقتصادية أصعب.
ومن الضروري ان نلقي الضوء عن الأحداث التي حصلت في الآونة الأخيرة وما رافقها من تطورات ونتائج على الصعيد النفسي والاجتماعي والاقتصادي.
ان منطقة باب التبانة وجبل محسن لم تكن بعيدة عن الأجواء السياسية العامة في لبنان وما رافقها من إنقسامات حادة بين الأطراف السياسية.
ومن المعروف ان المنطقتين كانا دائماً في حالة من النزاع وان كان على شكل صغير لم يكن يتوسع بل يعمل على وقفه فوراً او لا يتعدي حوادث فردية يعمل على إيقافها. خلفت أجواء نفسية عند الطرفين خاصة ان آثار 6 شباط 1986, كانت لا تزال خامدة في النفوس وزرعت الكثير من الأحقاد عند الطرفين.
ونتيجة الانقسامات السياسية وهشاشة الوضع الأمني في لبنان منذ العام 2005, إندلعت الاشتباكات من جديد في 10 أيار 2008, بين التبانة وجبل محسن ولم تنته الى الآن وان كانت بتواريخ متفاوتة ومتواترة. استعملت فيها الكثير من الأسلحة الفتاكة ودمرت مباني ومنازل كثيرة وهجّر الكثير من الأهالي من جديد وقسم كبير أصبح بلا مأوى وسكن.
المؤسسات التجارية والصناعية أقفلت أو دمرت أو تضررت من آثار القصف والعديد من الأهالي أصبح بلا عمل. وهم في ضرر دائم وخوف وعدم الشعور بالاستقرار والأمان والحماية.
لقد أحدثت هذه الأحداث آثار نفسية وإجتماعية صعبة جداً ولقد عمقت الأحقاد بين الطرفين. ويسيطر اليأس في هذه المناطق والحالة صعبة جداً أكبر من أن توصف.
ومنطقة باب التبانه فيها مفقودين، والكثير من ابنائها استشهدوا تحت التعذيب وهناك أيضاً من كانوا معتقلين وقد تم تحريرهم وهم يعيشون الان في هذه المنطقة حيث يعانون كل من في هذه المنطقة ولكن هم بدرجة أكبر كونهم قاسوا كل أنواع العذاب في السجون السورية وما تركت من آثار نفسية وجسدية. وهم أمام هذا الواقع المتردي يشعرون بأنهم قد نقلوا من سجن الى سجن أكبر.
وقد دفعت هذه العوارض النفسية البعض ممن كانوا معتقلين في السجون السورية الى المشاركة في هذه الأحداث الأخيرة بهدف الانتقام وأخذ الثأر (كما يدعون) ولسد فراغ ما يعاني منه او عقدة نقص. ومنهم من يقول أنه لن يشارك في القتال لأنه لا يوجد أي شيء يمكن ان يعوضه عما عاناه في السجن.
توجه فريق مركز الخيام الى منزل الأسير د. ش. الذي امضى في السجون السورية 10 سنوات مع تلقيه أصعب أنواع التعذيب, فأول ما يلفت النظر هو تعرض غرفة الجلوس الى الإحتراق والى تحطيم زجاج النوافذ والأبواب. تهجرت عائلته من منزلها لمدة 3 أشهر ماكثة عند أحد أقاربها.
الأسير ح. إ. الذي أمضى في السجون السورية 3 سنوات, والذي عانى الكثير من تعرضه لداء السل نتيجة إعتقاله, تهجرت عائلته الى منطقة الضنية لأن منزلهم يقع في الجهة المقابلة لجبل محسن فلقد تعرض منزلهم للعديد من القذائف حيث حطمت الزجاج بأكمله وتضررت الجدران وتشوهت. فالأسير طلبه الوحيد والأول هو العيش بسلام وأمان.
بعد الانتهاء, قمنا بزيارة منزل الأسير م. ن. الذي أمضى في السجون السورية 5 سنوات, فلكثرة تعرضه للكثير من الضرب على قدميه اصيب بشلل ولم يعد له القدرة على السير وما زال حتى اليوم يخصع للمعالجة.
في بداية الاشتباكات تعرض الأسير للوقوع على رجله اليمنى, وبعد مرور يومين وبينما كان متوجهاً الى المرحاض وقع على قدمه مرة ثانية فأدت الى الكسر, فتوجه الى المستشفى وأجري عملية جراحية بتاريخ 14 تموز, إذ وضع لقدمه (بلاك) وهو الآن بحاجة الى طبيب أعصاب. وأثناء الاشتباكات أيضاً تعرضت والدته لكسر إصبعين في قدمها, فسوء حالتها وحالة إبنها الصحية أجبرتهم على البقاء في المنزل رغم صعوبة الاشتباكات.
أما الأسير س. ع. الذي أمضى في السجون السورية 3 سنوات والذي بترت قدمه في المعتقل, فحالته النفسية صعبة جداً إذ ان العائلة بقيت تتناول (العدس والبرغل) على عدة أيام مما أدى ذلك الى نشوء هبات من الغضب والتعصيب عند الأسير حيث تذكر أيام إعتقاله. تعرض منزل الأسير الى الكثير من القذائف وحيث ان المبنى المقابل تعرض للدمار مما أدى الى دخول (الدخان والشحوار) الى المنازل القريبة وأولهم منزل الأسير س., حيث اللون الأسود غطى جدران المنزل.
بالإضافة الى تلك المعاناة فهو في قلق دائم على كيفية تأمين مصاريف مصاريف المدارس لاولاده.
الأسير ع. م. الذي أمضى في السجون السورية 4 سنوات , فهو حالياً عاطل عن العمل منذ 3 أشهر أي منذ إندلاع الاشتباكات, تهجرت عائلته الى منطقة الضنية, لأن أكثر المنازل التي تعرضت للقذائف هو منزل الأسير ع.. فالقذائف والرصاص الطائش خرق جدران غرف النوم والجلوس. أحترقت الأغطية ومزقت. وهذه المرة الثانية يتعرض منزله للضرر فالمرة الأولى كانت سنة 1986.
بعد ذلك توجهنا الى منزل الأسير ح. إ. الذي أمضى في السجون السورية 3 سنوات, مع ممارسة أقصى أنواع التعذيب والحرمان. فعند مجيئي كانت زوجته آتية من المستشفى من جراء تعرضها لجلطة حين إندلاع الاشتباكات, وما زالت حتى اليوم تعاني من آلآمها. فلقد تعرض منزل الأسير للقذائف, فعند إندلاع المعركة تتوجه العائلة الى المخبأ في أسفل المبنى.
الأسير ح. م. الذي أمضى في السجون السورية 7 سنوات ونصف مع شقيقه ووالده وحتى الآن ما زال والده مفقوداً. فلقد تعرض محل الأسير من الجهة الأمامية للدمار, ومنزله تعرض لبعض من القذائف, فهذه الأضرار طبعت على قلبه اليأس والكآبة مما أدى به الى التعصيب والغضب.
أما الأسير ع. ع. الذي أمضى في السجون السورية 5 سنوات, فإنه يواجه أيام صعبة جداً من الناحية الصحية والاجتماعية, فلقد توقف عن العمل وأوضاعه المادية تراجعت الى الأسوأ وزاد غضب ع. أكثر من قبل, فأول كلمة قالها: أنا أعتقلت في السجون السورية 5 سنوات, فياليتني أعتقل مرة ثانية بدل أن أعيش حياة الذل والحرمان والمعاناة, حياة مقرفة, تعيسة, ظالمة.
أما الأسير ج. ز. الذي أمضى في السجون السورية 3 سنوات, والذي تعرض الى إعاقة في عينه ففقد النظر. فأيامه التي يعيشها اليوم صعبة جداً, فأثناء الاشتباكات واجه صعوبة كبيرة في سلك الطريق لأخذ ابنه الى بيروت (لغسيل الكلى), وتعرضت زوجته الى حادثة (بينما كانت تقوم بنشر الثياب على حبل الغسيل) إنقطع الحبل وسقطت على ظهر رجل في الأسفل, فقام الأسير بتأمين المال من أقاربه ليدفع تكاليف معالجة الرجل.
الأسير ي. ط. الذي أمضى في السجون السورية 7 سنوات ونصف, فزيارته كانت مليئة بالأحاديث عن الوضع الذي تشهده منطقة التبانة, فإن عائلته شهدت أيام عصيبة, ومنزله تعرض لقذائف عديدة مما أدى تحطم الزجاج.
الأسير خ. ت. الذي أمضى في السجون السورية 10 سنوات, لم ألتق به، انما قابلت زوجته التي تعاني من مشاكل نفسية من جراء الأحداث الخطيرة التي شهدتها يومياً, والتي أدت الى تعطل زوجها عن العمل.
بعد ذلك, توجهنا الى منزل الأسير ج. ع. ا. الذي أمضى في السجون السورية 12 سنة, فمعاناته لا تعد ولا تحصى أصبح لديه طفلتان في المدرسة وليس قادراً على تأمين المال لتسجيليهم. وقد لاحظنا شيئاً دون ان يذكره لنا إذ أنهم يأكلون الزعتر والزيت لأكثر من 5 أيام, فوضعه المادي سيء جداً, والأسوأ من ذلك هو الوضع النفسي لزوجته التي تعاني من ضغوطات كثيفة منه (أحداث المعركة, تأمين لقمة العيش لأطفالها, التهجر من منزلها)...
أما الأسير ف. ب. الذي أمضى في السجون السورية 7 سنوات, ومنهم 3 سنوات أمضاهم في الغرفة المنفردة, حيث تعرض منزله اليوم الى القذائف والرصاص, فهذه الاشتباكات إنعكست سلباً على الأسير ف. من الناحية المادية, الصحية والنفسية, فعمله توقف وحالته الصحية تراجعت الى الأسوأ, وإنه دائم البكاء, صرحت لي زوجته انه دائم الجلوس بمفرده مع مرافقة البكاء.
وخلال جولة الفريق على الأسرى المحررين الذين ورد ذكرهم, لفت إنتباهنا مجموعة من الأولاد البالغين من العمر 6—12 سنة, الى الألعاب التي يلعبونها إذ ينقسم الاولاد الى مجموعتين, المجموعة الأولى تسمي نفسها (شباب التبانة) والأخرى (جبل محسن), واضعين حاجز بينهم وهو عبارة عن صناديق بلاستيك. أما أجهزة السلكي واللاسلكي فهي عبارة عن (علب البيبسي). أما الأسلحة التي كانوا يستخدمونها فهي الحجارة الصغيرة, مسدسات من الخشب والكرتون. وقد قاموا أيضاً بجلب قنينة بلاستيك تم قصها من الأعلى ووضعوا لها في الجهة المقابلة بالون لقدف البحص. والأعجب من ذلك, صرحوا لي بأسماء عديدة ومتنوعة من الأسلحة فنحن شخصياً لم يكن لدينا أية فكرة عن هذه الأسلحة.
جلست مع عدد من الاطفال أتحدث معهم, في بداية الأمر وجهوا لنا تهمة أننا (جواسيس) وأننا سوف نأخذ معلومات لننقلها لجبل محسن. ولكن بعد فترة قصيرة من الوقت أحبونا, فحينها سألناهم إذا شخص أحب أن يقدم لكم هدية, فما الهدية التي تفضلونها؟
فكان الجواب: قنابل – كلشن – دوكتوريوف – أم سكستين – خمسمئة – دوشكا – ب 7.... فقلنا لهم لماذا لا تطلبون مثلا كرة قدم, دراجة, .... فضحكوا مستهزئين بنا, وماذا ستفيدنا تلك الألعاب!
خرجنا من باب التبانة والأفكار تتداخل ببعضها البعض في رأسي خصوصاً بعد تقرير مسرحية الشباب والاطفال. فالشباب التي تتراوح أعمارهم من 12—16 سنة, كل ما يتداول في فكرهم حب القتال والدمار والثأر, هذا ما شاهدته على أرض الواقع في ساحة التبانة, فشبان التبانة منقسمون الى عدة مجموعات تنتمي الى حزب او الى شخص سياسي معين.
الشباب نسوا شهاداتهم وعلمهم ومستقبلهم, وأصبحوا يفكرون بالثأر بمختلف الطرق والأساليب.
أما الاولاد ويا أسفاه على ألعابهم وفنونهم وضحكاتهم, أين هي ألعابهم؟ هل ردمت تحت التراب أم الكبار رموها لهم!
باب التبانة كما جبل محسن في الشمال كما تعلبايا وسعدنايل في البقاع كما بيروت ضحايا حروب خاطئة يدفع ثمنها المدنيون وخاصة الفقراء وانعكاساتها مضاعفة على المعتقلين السابقين وعائلاتهم.
منطقة باب التبانة وجبل محسن مناطق منكوبة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والنفسي مما يتطلب من الحكومة والمجتمع الدولي والمؤسسات الانسانية وضع برامج تنموية واقتصادية واجتماعية وصحية لإعادة تأهيلها، ومساندتها على كافة الاصعده.

01/09/2008
فريق مركز الخيام
شمال لبنان